أحمد بن محمد المقري التلمساني
152
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
فاسق ، وأمّا ابن زمرك فقتل بالسيف جهارا ، وتناوشته سيوف مخدومه بين بناته إبداء للتشفّي وإظهارا ، وقتل معه من وجد من خدمه وابناه ، وأبعده الدهر وطالما أدناه . وهكذا الحال في خدّام الدول وذوي الملك ، أنهم أقرب شيء من الهلك ، ويرحم اللّه من قال : إياك وخدمة الملوك فإنهم يستقلّون في العقاب ، ضرب الرقاب ، ويستكثرون في الثواب ، ردّ الجواب ؛ . [ رجع إلى أخبار لسان الدين ] رجع إلى ما كنّا فيه من أحوال لسان الدين بن الخطيب : وكان رحمه اللّه تعالى قبيل موته - لمّا توفي السلطان أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن المريني بتلمسان وتغلّب على الأمر الوزير أبو بكر بن غازي بن الكاس مبايعا لابن صغير السنّ من أولاد السلطان عبد العزيز - ألّف كتابه المسمّى ب « أعمال الأعلام ، بمن بويع من ملوك الإسلام قبل الاحتلام » ومراده بذلك تثبيت دولة الوزير الذي أبى أن يخفر عهده وذمّته ، وامتنع أن يمكّن منه أهل الأندلس ، فأكثروا القالة في الوزير بسبب مبايعته للصبي ، وبنوا ظاهر الأمر على أنّ ذلك لا يجوز بالشرع ، وأبدؤوا وأعادوا في ذلك ، وأسرّوا ما كان من أمرهم « 1 » حسوا في ارتغاء . ومن جملة كلام لسان الدين بن الخطيب في ذلك الكتاب قوله : فمتى نبس « 2 » أهل الأندلس بإنكار بيعة صبي صغير ، أو نيابة صاحب أو وزير ، فقد عموا وصمّوا ، وخطروا بربع الإنصاف فأعرضوا وما ألمّوا « 3 » ، وبما سنوه لغيرهم ذمّوا ؛ انتهى . وكان رحمه اللّه تعالى ألّف للسلطان عبد العزيز حين انحيازه إليه « المباخر الطيبية ، في المفاخر الخطيبية » : يذكر فيه نباهة سلفه ، وما لهم من المجد ، وقصده الردّ على أهل الأندلس المجاهرين له بالعداوة ، القادحين في فخر سلفه . ثم ألف للسلطان المذكور كتاب « خلع الرسن ، في التعريف بأحوال ابن الحسن » لكونه تولّى كبر الحطّ منه ، والسعي في هلاكه كما مرّ ، وقال في حقّ هذا الكتاب : إنه لا شيء فوقه في الظرف والاستطراف ، يسلي الثّكالى ، ونستغفر اللّه تعالى ؛ انتهى . ومع هذا كلّه لما أنشبت المنيّة أظفارها لم تنفعه ممّا كتب تميمة « 4 » ، ونال ما أمّله « 5 » فيه
--> ( 1 ) في ج « وأسروا من كان أمرهم حسوا في ارتغاء » . ( 2 ) نبس : نطف . ( 3 ) ألموا : نزلوا . ( 4 ) التميمة : خرزة أو نحوها تعلق في العنق دفعا للعين ، وقد أخذ المعنى من قول الهذلي : وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع ( 5 ) في ب « ونال ما أمّل » .